في أحد الأزمنة التي ساد فيها الظلم والقهر، وُلد فتى في قصر منيف يعلو على آهات الفقراء وصراخ المظلومين. كان اسمه بشار، ابن رجل حكم البلاد بقبضة من حديد، وأورثه عرش الطغيان والقسوة. لم يكن بشار سوى ظلٍّ باهت لأبيه، لكنه سرعان ما أصبح أكثر بطشًا منه، أكثر قدرة على سفك الدماء بدم بارد، وأكثر دهاءً في تحويل وطنٍ بأكمله إلى ساحة موت.
كانت البلاد تغلي تحت سطح الهدوء المزيف. أناسٌ يُقتَلون في الأقبية، وآخرون يُقتَلون في الشوارع تحت وابل الرصاص. لكن ذلك لم يكن كافيًا لإرضاء وحشية النظام. وعندما جاءت لحظة الحقيقة، لحظة صرخة الحرية الأولى، أطلق بشار كلابه المسعورة على شعبه، لم يُرِد سوى الموت والدمار.
كانت السجون تغصّ بالأبرياء، تُملأ زنازينها بآلاف الشباب الذين لم يكن ذنبهم سوى المطالبة بحياة كريمة. من لم يمت تحت التعذيب، مات جوعًا أو بردًا أو صُعق بالكهرباء حتى لفظ أنفاسه. كان هناك سجنٌ خاص، يسمى بـ"الكباغون"، حيث يدفن الأحياء دون قبور، حيث يصبح الإنسان رقمًا يُمحى متى شاء السجّان.
كان هناك شاب اسمه "سعيد"، لم يكن يحمل سلاحًا، لم يكن يخطط لمؤامرة، كل ما فعله أنه رفع لافتة كتب عليها: "أين الحرية؟". في تلك الليلة، اقتحم رجال الأمن منزله، ضربوه أمام أمه وأخته، سحبوه إلى سيارة سوداء بلا لوحات، ولم يُسمع عنه بعد ذلك.
داخل الكباغون، كان سعيد يتعرض لتعذيب يفوق الوصف. عُلّق من يديه لأيام، جُلد بالسياط، أُجبر على شرب الماء المالح حتى تورمت أحشاؤه. كان السجّانون يضحكون وهم ينهالون عليه بالضرب. كان كل صرخة ألم تصدر منه تزيدهم نشوة.
لكن سعيد لم يكن وحده. كان هناك الآلاف، رجال ونساء وأطفال، كلهم دفعوا ثمن الحرية، وبعضهم ماتوا دون أن يُعرف عنهم شيء. بعضهم أُحرقت جثثهم، وبعضهم دُفنوا في مقابر جماعية.
وبينما كان الجلادون يعيثون فسادًا، كان بشار جالسًا في قصره، يتناول طعامه الفاخر، يستقبل الوفود الدبلوماسية، ويتحدث عن السيادة والمقاومة، بينما بلاده تحترق، وشعبه يُباد.
لكن الظلم لا يدوم. كانت هناك أصوات لا تزال تنبض بالحياة، لم تخضع، لم تنكسر. لم يكن الشعب قد قال كلمته الأخيرة بعد، فالتاريخ لا ينسى، والعدالة قد تتأخر، لكنها حتمًا ستأتي، كما تأتي الشمس بعد الليل الطويل.
---
لم تكن قصة سعيد سوى واحدة من آلاف القصص التي شهدها الوطن المنكوب. كان هناك "أمجد"، شاب جامعي، يحلم بأن يصبح مهندسًا ليبني وطنه، لكنه وجد نفسه يبني قبره بيديه داخل أقبية المخابرات. ذات يوم، بينما كان يسير في الشارع عائدًا من الجامعة، أوقفته دورية أمنية، سألته عن هويته، وحين فتشوا هاتفه وجدوا رسالة لصديقه تقول: "لم يعد لنا مكان في هذا الوطن". مجرد هذه الكلمات كانت كافية لتقوده إلى الجحيم.
في السجن، عاش أمجد تجربة لم يكن يتخيلها حتى في أسوأ كوابيسه. في اليوم الأول، بدأوا بخلع أظافره واحدًا تلو الآخر، وفي اليوم الثاني، ربطوه من قدميه ورفعوه رأسًا على عقب، ظل معلقًا لساعات حتى أغمي عليه. كان يسمع صراخًا من حوله، صراخًا لا يتوقف، وكأن المكان كله مسكونٌ بالأشباح.
في زنزانته الضيقة، تعرّف على "خالد"، رجل خمسيني كان ضابطًا في الجيش قبل أن يرفض تنفيذ أوامر القتل، فاعتقلوه وزجوا به في هذا القبر الحي. كان خالد يهمس له كل ليلة: "الظلم لن يدوم، هناك يومٌ سيأتي سنخرج فيه من هنا، وسيدفعون ثمن جرائمهم". لكن ذلك اليوم لم يأتِ لخالد، ففي أحد الليالي، دخل السجّانون، سحبوه، ولم يعد.
---
أما خارج السجون، فكانت هناك معاناة أخرى، معاناة أولئك الذين فقدوا أحباءهم دون أن يعرفوا مصيرهم. أمٌ تبحث عن ابنها منذ سنوات، تجوب أروقة المحاكم العسكرية، تدفع الرشاوى للمخبرين، تتوسل لأي مسؤول يمنحها معلومة، لكن دون جدوى. كانت تعلم في أعماقها أن ابنها قد يكون قد فارق الحياة، لكنها لم تستطع التوقف عن البحث.
وفي أحد الأيام، جاءها اتصال، رقم غريب، صوت مجهول قال لها: "ابنك كان في الكباغون، رأيته آخر مرة قبل أن ينقلوه إلى مكان مجهول". كانت هذه الكلمات كافية لتنهار باكية، لكنها لم تتوقف عن البحث.
---
لم يكن الكباغون مجرد سجن، كان مصنعًا للموت، ومسلخًا بشريًا يُباد فيه الناس بلا رحمة. كان هناك أطباء يتفنّنون في التجارب على المعتقلين، يحقنونهم بمواد غامضة، يراقبون موتهم البطيء وكأنهم مجرد فئران تجارب. بعض السجناء أُرسلوا إلى غرف الغاز، حيث أُغلق عليهم الباب، وسرعان ما امتلأت الغرفة بدخان سام. لم يكن هناك صراخ، فقط سعال مكتوم، ثم صمت أبدي.
---
لكن رغم هذا الظلم، كان هناك أمل. ففي قلب هذه العتمة، كان هناك رجال ونساء لم يستسلموا. بعض السجناء استطاعوا الفرار، بعضهم استطاعوا تهريب شهاداتهم إلى الخارج، بعضهم ظلوا يقاتلون ولو بالكلمة، ولو بالصبر.
هذه الحكاية لم تنتهِ بعد، لأن الحق لا يموت، ولأن العدالة، حتى لو تأخرت، لا بد أن تأتي يومًا.