هل تهتم شركات الذكاء الاصطناعي حقاً بمخاوف السلامة؟
ربما تتضح الإجابة عند النظر إلى التطورات السياسية الأخيرة. فقد أظهرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فور عودته إلى البيت الأبيض، استعدادها لتخفيف القيود التنظيمية عن قطاع الذكاء الاصطناعي، مما دفع الشركات الكبرى إلى المطالبة بإزالة العقبات التي تعترض تسارع نمو هذا المجال. كانت رسالتهم واضحة: "يجب على واشنطن أن تتيح لنا المجال للتحرك بسرعة أكبر، بعيداً عن القوانين واللوائح المقيدة."
لقد شهد وادي السيليكون تحولاً واضحاً في موقفه وفقاً لتغير السياسات. ففي ظل إدارة بايدن، تبنت الشركات الكبرى خطاب الحذر ووافقت على إخضاع نماذجها لاختبارات مستقلة قبل إطلاقها. لكن مع عودة ترامب، تغيرت النبرة، حيث ألغى بسرعة الأمر التنفيذي الذي أصدره بايدن بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي، وطلب من الشركات تقديم مقترحات لصياغة سياسة جديدة تعتمد على تسريع الابتكار دون عوائق.
في المذكرات المقدمة للبيت الأبيض، طالبت "أوبن إيه آي" و"ميتا" و"جوجل" بسياسات تدعم التنافس مع الصين، وترفض فرض لوائح محلية متفرقة قد تعيق عملها. كما دعت إلى إنهاء الغموض القانوني حول حقوق النشر، مؤيدةً أحقية استخدام أي بيانات متاحة في المجال العام لتدريب نماذجها. أما السلامة؟ فقد اختفت من أولويات هذه الشركات تقريباً. ويؤكد هذا التوجه تصريح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في قمة الذكاء الاصطناعي الأخيرة بباريس: "مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُحسم عبر التردد والقلق بشأن السلامة."
يبدو أن سباق الذكاء الاصطناعي قد تحول إلى معركة يخضع فيها كل شيء لمنطق "الفائز يحصد كل شيء"، تماماً كما حدث مع وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أثبتت التجربة أن الشركات التقنية تعتمد معايير نفعية بسيطة: إذا كان المستخدمون يتفاعلون مع المحتوى، فهذا يعني أنهم يريدون المزيد منه. وهذا النهج نفسه هو الذي أدى إلى انتشار خوارزميات تواصل اجتماعي أثارت الكثير من الجدل حول آثارها السلبية.
ومع تراكم الأدلة حول التأثيرات الضارة لهذه التقنيات، كان من المفترض أن تسعى الشركات لفهم تأثيرات الذكاء الاصطناعي على المجتمع قبل التسرع في تطويره. لكن الأدلة المتاحة حتى الآن ليست مبشرة. فقد أظهرت دراسة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الاستخدام المكثف لروبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يرتبط بارتفاع مستويات الشعور بالوحدة والاعتماد عليها بشكل مفرط، مما يؤدي إلى تراجع في التواصل الاجتماعي.
إذا كنا نحسن الظن، فقد نفترض أن شركات التكنولوجيا تتكيف مع الخطاب السياسي السائد لتلبية تطلعات الإدارة الأمريكية الحالية، لكنها في الخفاء لا تزال ملتزمة بمبادئ السلامة. غير أن هذا التفسير يتطلب قدراً استثنائياً من التفاؤل، خاصة في ظل الدلائل المتزايدة على أن الأولوية الحقيقية لهذه الشركات هي تحقيق التفوق في السباق التكنولوجي بأي ثمن.